ابن كثير

65

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

التي نتابعك إن أخبرتنا بها ، إنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر فأخبرنا من صاحبك ؟ قال : « جبريل عليه السلام » ، قالوا : جبريل ذاك ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا ، لو قلت : ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر ، لكان ، فأنزل اللّه تعالى : قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ [ البقرة : 97 ] والآية بعدها . وقد رواه الترمذي والنسائي ، من حديث عبد اللّه بن الوليد العجلي به نحوه ، وقال الترمذي : حسن غريب ، وقال ابن جريج والعوفي عن ابن عباس : كان إسرائيل عليه السلام - وهو يعقوب - يعتريه عرق النسا بالليل ، وكان يقلقه ويزعجه عن النوم ، ويقلع الوجع عنه بالنهار ، فنذر للّه لئن عافاه اللّه لا يأكل عرقا ولا يأكل ولد ما له عرق ، وهكذا قال الضحاك والسدي ، كذا رواه وحكاه ابن جرير في تفسيره ، قال : فاتبعه بنوه في تحريم ذلك استنانا به واقتداء بطريقه ، قال : وقوله مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ أي حرم ذلك على نفسه من قبل أن تنزل التوراة . قلت : ولهذا السياق بعد ما تقدم مناسبتان إحداهما : أن إسرائيل عليه السلام حرم أحب الأشياء إليه وتركها للّه ، وكان هذا سائغا في شريعتهم فله مناسبة بعد قوله لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ فهذا هو المشروع عندنا ، وهو الإنفاق في طاعة اللّه مما يحبه العبد ويشتهيه ، كما قال تعالى : وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ [ البقرة : 177 ] وقال تعالى : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ [ الإنسان : 8 ] الآية . المناسبة الثانية : لما تقدم بيان الرد على النصارى ، واعتقادهم الباطل في المسيح وتبيين زيف ما ذهبوا إليه وظهور الحق واليقين في أمر عيسى وأمه ، كيف خلقه اللّه بقدرته ومشيئته وبعثه إلى بني إسرائيل يدعو إلى عبادة ربه تبارك وتعالى ، شرع في الرد على اليهود قبحهم اللّه تعالى وبيان أن النسخ الذي أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع ، فإن اللّه تعالى قد نص في كتابهم التوراة أن نوحا عليه السلام لما خرج من السفينة ، أباح اللّه له جميع دواب الأرض يأكل منها ، ثم بعد هذا حرم إسرائيل على نفسه لحمان الإبل وألبانها فاتبعه بنوه في ذلك ، وجاءت التوراة بتحريم ذلك ، وأشياء أخرى زيادة على ذلك ، وكان اللّه عز وجل قد أذن لآدم في تزويج بناته من بنيه ، وقد حرم ذلك بعد ذلك ، وكان التسري على الزوجة مباحا في شريعة إبراهيم عليه السلام ، وقد فعله إبراهيم في هاجر لما تسرى بها على سارة ، وقد حرم مثل هذا في التوراة عليهم ، وكذلك كان الجمع بين الأختين سائغا ، وقد فعله يعقوب عليه السلام جمع بين الأختين ، ثم حرم عليهم ذلك في التوراة ، وهذا كله منصوص عليه في التوراة عندهم ، وهذا هو النسخ بعينه ، فكذلك فليكن ما شرعه اللّه للمسيح عليه السلام ، في إحلاله بعض ما حرم في التوراة ، فما بالهم لم يتبعوه ؟ بل كذبوه وخالفوه ؟ وكذلك ما بعث اللّه به محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم من الدين